ملا محمد مهدي النراقي

204

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وبذلك يظهر انّه لا معية بين الواجب وبين العالم بوجه أصلا ؛ أمّا بحسب الذات والوجود والشرف فلأنّه - تعالى - علّة العالم ، فهو أقدم على كلّ ما سواه بمحض ذاته ووجوده والأشرف لغيره إلّا منه ؛ وأمّا بالمكان والزمان فلأنّه خارج عنهما محيط بهما ، فلا يوصف بهما بمعية وغيرها ، إذ الاتصاف بهما بمعية وغيرها يتوقّف على توهّم كونه فيهما ، وقد علم بطلانه . وأورد عليه : بأنّ القول بالامتداد المذكور ليس إلّا ليصحّح تحقّق العدم قبل الوجود ، وقد صحّ ذلك ، ومرادهم من تخلّف العالم عن الحقّ - سبحانه - ليس إلّا ذلك لا انّه كان الواجب في وقت لم يكن العالم فيه حتّى يقال : انّ الواجب بريء عن الكون في الوقت ، فلا يصحّ ذلك . على انّه يمكن القول بمقارنة وجوده - تعالى - للوقت ، فحينئذ يتصحّح التخلّف بهذا المعنى أيضا . وبالجملة : انّا لا نقول انّه لا يجب أن يكون زمان يصحّ أن يقال : كان الواجب فيه ولم يكن العالم حتّى يرد ما ذكرت ، بل الغرض انّه يتحقّق انفصال بين الواجب والعالم وتصحّ فيه قولنا : كان الواجب بالمعنى الّذي تصح الآن ولا يكون العالم فيه . على أنّ الظاهر أنّه كما يقال في الأجسام انّه زماني بمعنى أنّ وجوده مقارن لوجود الزمان يصحّ ذلك في شأن الواجب - تعالى - أيضا ، إذ يصدق انّ وجوده مقارن لوجود الزمان نفسه ؛ فلا يصحّ أن يقال : انّه زماني بمعنى أنّ وجوده ينطبق على الزمان مثل الحركة ، ولا يصحّ ذلك في الجسم أيضا ؛ انتهى . وفيه : انّ تحقّق العدم أيّ حاجة له إلى هذا الامتداد ؟ ، بل هو مناف لحقيقته - كما مرّ - ، والعدم بنفسه يصلح للفصل والتخلّف والانفصال « 1 » - كما يأتي - . فإذا كان نسبة الواجب إلى جميع اجزائه على السواء ولم يفتقر إليه في تصحيح التخلّف والانفصال كان القول بوجوده باطلا . فان قيل : إذا اتصف العدم في نفس الأمر بانّه سابق على الوجود سبقا غير ذاتي فيكون محتاجا إلى وعاء وطرف يكون فيه ، ويتصف لا محالة بالتقدّر والتكمّم وغيرهما ، وكونه سابقا عليه بدون ذلك لا يقدر على تعقّله ؛

--> ( 1 ) - الأصل : - الانفصال .